مجموعة مؤلفين

229

أهل البيت في مصر

رأيتها نامت بليل ولاأفطرت بنهار ، إلّاالعيدين وأيام التشريق . فقلت لها : أما ترفقين بنفسك ؟ فقالت : كيف أرفق بنفسي وأمامي عقبات لايقطعهنّ إلّاالفائزون ؟ « 1 » وكانت تقول : كانت عمتي تحفظ القرآن وتفسيره ، وكانت تقرأ القرآن وتبكي « 2 » وقد سمع منها الحديث وتفسيره والفقه كثير ممّن قابلوها ، فقد سمع منها بمصر غير الإمام الشافعي جمهور كبير من العلماء ؛ كذي النون المصري ، وعبداللَّه بن الحكم ، وولديه محمد وعبد الرحمن ، وعبد الرحمن البويطي ، والربيعين المرادي والجيزي ، وحرملة من أصحاب الإمام الشافعي رضي اللَّه عنهم ، وكثيرين غيرهم « 3 » استفادوا ممّا أفاضه اللَّه عليها من فيوضات ممّا سيأتي بيانه بعد قليل ، وما روته من أحاديث وآثار ، وفقه وعلم ومعارف نبوية ، فإنّها رضي اللَّه عنها من أهل بيت اتّقوا اللَّه فعلّمهم اللَّه ، وأنار قلوبهم بنور عرفانه ، فكانوا من حلمة العلم وحضنته ، ومن ذوي الفقه والدين ، والمعرفة واليقين . وكانت السيدة الورعة زاهدة في دنياها ، تؤمن بمنهج الزهد وتمارسه ، وكان رائدها في طريق الزهد جدّها الأعظم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الذي أحاطت بسيرته ، وكان مرشدها هو ما قال الرسول صلى الله عليه وآله وما فعل ، وقد مالت بطبعها من صغرها إلى حياةٍ بعيدةٍ عن زخرف الحياة وزينتها بالرغم من أنّ أباها كان أميراً للمدينة ، وكان بلاشكّ يعيش عيشةً رغدة ، ولكنّها ما كانت تستشرف إلى لذائذ الدنيا وشهواتها . وفي بيت أبيها نشأت - برغم ما يحيط بها من مظاهر الترف - نشأة الزهادة والتقشّف ، فمثلًا كنت قليلة الأكل ، ويروى : أنّها كانت تأكل كلّ ثلاثة أيام مرّة « 4 » وتقول زينب بنت يحيى : « كنت أجد عندها ما لا يخطر بخاطري ، ولا أعلم من

--> ( 1 ) . خطط المقريزي 4 : 325 . ( 2 ) . المصدر السابق . ( 3 ) . كالامام أحمد وسفيان الثوري ورابعة العدوية . انظر تحفة الأحباب للسخاوي : 107 . ( 4 ) . راجع خطط المقريزي 4 : 325 .